عن الكاتب
في عالم التقنية العجيب، وبين أزقة المواقع والمتصفحات، وبين ضجيج المعرّفات والحسابات في مختلف المنصات، ومع الظهور المتسارع للذكاء الاصطناعي، ألا تلاحظون أن أشياء غريبة بدأت تحدث لنا؟
أليست الحياة قد أصبحت رقمية إلى حدٍّ كبير… نعيش داخل الشاشات ونتأثر بما يُعرض فيها، ونتفاعل مع أشخاص قد لا نلتقي بهم يوماً. أصبحنا نقرأ الروايات الإلكترونية بدلاً من الكتب الورقية وما تحمله من متعة اللمس ورائحة الورق، ونحرص على متابعة تفاصيل حياة الآخرين عبر الحالات والمنشورات، فنقارن أنفسنا بهم أو ننسج أمنيات قد تجعل الحياة في أعيننا أكثر صعوبة مما هي عليه، فتتحول تلك الأمنيات أحياناً إلى واقع أليم وبداية لجدال وخصام بين الشركاء.
ألا تشعرون بأن الهاتف المحمول أصبح جزءاً أساسياً لا يتجزأ من حياتنا؟ بل ربما أصبح من أهم الأدوات التي نعتمد عليها يومياً، حتى إن متوسط ساعات استخدامه بات مرتفعاً بصورة عجيبه. واليوم نرى الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، حتى بات كثير منهم أكثر قدرة على التعامل مع الأجهزة والبحث والمشاركة الرقمية من بعض البالغين.
ومع هذا التوسع الهائل في الاستخدام، قد نشهد مستقبلاً ازدياداً في المشكلات البصرية، وارتفاعاً في معدلات ارتداء النظارات في أعمار صغيرة، إضافة إلى آثار صحية مرتبطة بقلة الحركة وطول الجلوس والانحناء أمام الشاشات. لقد أصبح من الصعب على كثير من الأسر التحكم في الوقت الذي يقضيه الأطفال مع الأجهزة الذكية، خصوصاً في عالم تتسابق فيه التطبيقات والمحتويات على جذب الانتباه.
ومع ذلك، فإن العالم الرقمي ليس شراً مطلقاً، كما أنه ليس خيراً مطلقاً؛ فله إيجابيات عظيمة وله سلبيات واضحة، ويكمن الفارق الحقيقي في طريقة استخدامنا له، تماماً كما نتعامل مع أي أداة أو نعمة أخرى في حياتنا. وعلى سبيل المثال، طريقة استخدامك لسيارتك؛ فهي قد تكون وسيلة نافعة أو سبباً للضرر بحسب طريقة التعامل معها.
هنا أتوقف عند نقطة تثير الحيرة، رغم أن تخصصي في مجال التقنية. كيف تتحول اهتماماتنا وأفكارنا أحياناً إلى محتوى يظهر أمامنا في مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل هي مجرد مصادفة؟ أم أن الخوارزميات أصبحت قادرة على تحليل سلوكنا واهتماماتنا بدقة كبيرة من خلال عمليات البحث والمشاهدة والتفاعل؟
كثيرون يعتقدون أن الأجهزة تقرأ أفكارهم عندما يظهر لهم محتوى كانوا يفكرون فيه قبل لحظات، لكن التفسير الأقرب للواقع هو أن الأنظمة الرقمية الحديثة أصبحت شديدة الذكاء في تحليل البيانات وربط السلوكيات ببعضها البعض، حتى تبدو وكأنها تعرف ما يدور في أذهاننا.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، أصبح من الواضح أن الآلات باتت تحاكي بعض القدرات البشرية في الفهم والتعلم واتخاذ القرارات، إلا أن الوعي الإنساني ما زال يمثل لغزاً معقداً لم يصل العلم إلى فهمه الكامل حتى اليوم. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها التقنية في المستقبل.
باختصار، كانت هذه وقفة مع الحياة الرقمية التي جعلت العالم قرية واحدة بالفعل. فمنذ الطفولة وحتى الشيخوخة أصبح الجميع جزءاً من هذا العالم، وأصبحت المعلومات تنتقل بسرعة غير مسبوقة. واليوم يمكن لأي خبر أو معلومة أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق معدودة، مهما كان مصدرها أو مكانها في هذا العالم.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن من يقود التقنية؟
قلم 🖊️حمد محمد دغفان
“صحيفة المشهد الإخبارية”








