عن الكاتب
مع التطور الكبير الذي يشهده العالم تقنياً؛ أصبحت الحاجة ملحةً على إعادة النظر في أنظمة العمل وأوقاتها، فكما أن لكل زمان ما يناسبه من الأقوال؛ فكذلك لكل زمان ما يناسبه من الأعمال، وقد شاهد الجميع ذلك جلياً بعد ظهور عدد من أنظمة العمل الجديدة، مثل أنظمة العمل عن بعد، والعمل الحر، والعمل الجزئي، وفي السنوات الأخيرة بتنا نشاهد تقدماً لافتاً في التقنية الحديثة، والابتكارات والاختراعات التي من شأنها أن تؤثر على قطاع الأعمال، كما هو مشاهد في القطاعات التي تستخدم الأنظمة الذكية والروبوتات المؤتمتة، والتي تعمل بفاعلية وجودة عالية أكثر مما يعمل البشر، ولكن حديثي في هذا المقال لن يكون منصباً على تلك الأنظمة والابتكارات، بقدر ما سيكون منصباً على أنظمة العمل وأوقاتها من النشأة إلى التطور.
فمن البديهي والمتعارف عليه أن جميع القطاعات الحكومية والخاصة يعمل موظفوها يومياً بمعدل 8 ساعات يومياً، تبدأ من الساعة السابعة صباحاً أو الساعة الثامنة، وإن اختلفت المعادلة في قطاع الشركات والمؤسسات التي قد تبدأ أعمالها قبل ذلك الوقت، أو تزيد في ساعات العمل اليومية، أو تقسمها إلى فترتين صباحاً ومساءً، ولكن دعونا نتساءل عن نشأة هذا النظام، وكيف تطور عبر السنين؛ ليصبح قانوناً يعمل به في معظم الدول، إن لم يكن فيها جميعاً، فقد ذكرت بعض المصادر أن نشأة نظام العمل الحالي بمعدل الثمان ساعات يومياً كان في القرن التاسع عشر الميلادي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان عمال المصانع يعملون لساعات طويلة من اليوم، قد تصل إلى 12 ساعة لمدة 6 أيام من الأسبوع، وذلك بحسب ما ذكره الخبير الاقتصادي روبرت وابلز، الأستاذ في جامعة ويك فورست، وذكرت مصادر أخرى أن أول من نادى بنظام العمل بمعدل 8 ساعات يومياً هو رجل الأعمال الويلزي روبرت أوين في عام 1817م.
وبعد ظهور العديد من الحركات العمالية والإضرابات والمداولات حول ضرورة إعادة النظر في ذلك النظام؛ قامت بعض الشركات مثل شركة US Steel وشركة ford بتخفيض ساعات العمل فيهما إلى 8 ساعات يومياً، وقامت شركات أخرى مثل شركة Kellogg بتخفيض ساعات العمل فيها إلى 6 ساعات يومياً، مع إضافة العديد من المناوبات فيما بين موظفيها، حتى تمت مناقشة نظام العمل بمعدل الست ساعات يومياً في مجلس الشيوخ الأمريكي، وفي عام 1933م وقّع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على قانون التعافي الصناعي الوطني، والذي بموجبه أبرم أصحاب العمل اتفاقيات طوعية، لتحديد مدة العمل الأسبوعي للعامل من 35 إلى 40 ساعة عمل أسبوعياً.
وبالعودة إلى مسألة التطور التقني الذي يشهده العالم حالياً؛ فإنه يجب إعادة النظر في أنظمة العمل مرةً أخرى، وتصميمها لتصبح ملائمة للمرحلة الحالية، ففي السابق كان الحديث منصباً على حقوق الموظف وضرورة تقنين ساعات العمل، أما اليوم فقد ازدادت أعداد الموظفين في كل دولة، وازدادت معها حركة المرور والنقل؛ الأمر الذي أصبح هاجساً للكثير من الدول، فضلاً عن كثرة الحوادث المرورية وتعطل حركة السير، ونشأة مفاهيم جديدة في العمل وقوانينه، ومن ضمنها سلوك وأخلاقيات الموظف، حيث تبرز في هذا الجانب مسألة الإنتاجية التي قد تغيرت مع مرور الزمن واختلاف مفهوم الوظيفة، لذلك فإن فكرة العمل بمعدل الست ساعات أو ثمان ساعات يومياً، تبدأ صباحاً وتنتهي مساءً أصبحت من الأفكار الرائع مناقشتها، وتطويرها لتتلاءم مع طبيعة المرحلة الحالية، فالمال والتقنية من السذاجة استخدامهما لتعقيد حياة البشر، بل لمنفعتهم.
أ. شويش الفهد
” صحيفة المشهد الإخبارية”







